اللي يلاقي الحمار وميركبوهش
اللي يلاقى الحِمل ومايركبوش يتحاسب عليه
«اللي يلاقى حمار ومايركبوش يتحاسب عليه…» دي كانت أول جملة سمعتها منه.
قالها وهو واقف قدامي، بعد ما وقعت، وبعد ما استنيت إيده تشيلني وما لقيتش غير الفراغ. سألته ليه؟ ليه بعد كل السنين دي يعمل معايا كده؟ ليه وأنا في أضعف لحظة في حياتي يبقى هو أول واحد يسيبني؟
ثمان سنين جواز.
ثمان سنين وأنا بحاول أمشي البيت على قد مرتبي، أشتغل برّه وجوّه، وما أطلبش حاجة علشان ما أحمّلوش فوق طاقته. كنت فاكرة إن ده حب… وإن التضحية أمان.
بس الأيام ما رحمتنيش.
خبر واحد قلب حياتي: ورم في الثدي.
الخوف سبق الألم، وحسّيت إني كبرت فجأة، وإن الحياة بتقفل أبوابها مرة واحدة.
لما قلت له… ما حكيتش بس عن المرض، حكيت عن الرعب، عن الوحدة، عن احتياجي له.
بص لي ببرود وقال: «خلّصينا، نطلق. أنا مش قادر أقرب منك، الموضوع مقرفني.»
الدم نشف في عروقي.
ده جزاتي؟ بعد كل السنين؟ في الوقت اللي كنت محتاجة فيه حضن وسند؟
قربت منه أكتر… لقيته بيبعد وهو باصص لي بقرف. قال: «ابعدي عني، وبكرة نروح نطلق. دوري لك على مستشفى تقعدي فيها لحد ما تموتي.»
كنت سامعة كلامه كأنه طعنات في صدري. وقفت قدامه وسألته وأنا بعيّط: – هو أنا مش صعبانة عليك؟
ضحك بسخرية وقال: «اللي يلاقى حمار ومايركبوش يتحاسب عليه. وانتي كنتي الحمل اللي الكل بيشيل عليه، وما أستغلش أنا ليه؟ بصّي لنفسك، أنا بقيت أتحرج أقول إني متجوز.»
في اليوم اللي بعده، طلقني… وطردني بشنطة هدومي.
خرجت من البيت، الشنطة خفيفة، بس قلبي كان تقيل بكل اللي اتكسر. كنت مطلقة، مريضة، ومطرودة… في يوم واحد.
وأنا واقفة تايهة في الشارع، سمعت صوت بينادي: «إنتِ كويسة؟»
كانت صاحبة البيت. ست بسيطة، طيبة. من غير أسئلة، فهمت. دخلتني عندها، وحكيت لها كل حاجة. مسكت إيدي وقالت: «فوق السطوح أوضة صغيرة… على قدها، بس نضيفة. اقعدي فيها لحد ما ربنا يفرجها.»
تاني يوم أخدتني نعيد التحاليل. دخلت وأنا مش خايفة من الموت… كنت تعبانة من الحياة.
الدكتور بص في النتيجة وقال بهدوء: «اطمني… الورم حميد.»
ما استوعبتش غير لما قالها تاني.
قعدت وعيطت… مش فرح، بكاء واحدة اتظلمت زيادة عن اللزوم.
ساعتها فهمت: المرض ما كانش أخطر حاجة عدّت عليّ… الأخطر كان الإنسان اللي كان المفروض يبقى أمان.
بدأت من جديد. كورسات، تعليم، شغل بسيط. خطوة ورا خطوة. لأول مرة حسّيت إني مش عبء، مش مكسورة، مش مستنية حد يقرر مكاني.
بعد شهور، جاتني فرصة شغل حقيقية. شركة كبيرة اختارتني. دخلت المقابلة بثقة، ومن غير خوف. وبعدها قالوا لي: «إنتِ اللي بندور عليها. هتبدئي الأسبوع الجاي.»
في نفس الوقت… كان هو بيمر بنفس الكرسي اللي قعدت عليه زمان. نفس الكلمة اللي كان بيقرف منها: سرطان.
قعد لوحده. من غير حد يشيل إيده. وافتكر نظرتي وسؤالي: «أنا مش صعبانة عليك؟»
عرف متأخر إن القسوة مش قوة… وإن اللي يكسر إنسانة وهي ضعيفة، لازم ييجي عليه يوم يقف لوحده.
وأنا؟ كنت بضحك في شغلي الجديد. بعيش. من غير ما أعرف إن الحياة خدت حقي من غير ما أطلب.
ظهر في حياتي حد جديد. محترم، هادي، شايف قوتي مش ضعفّي. حبني زي ما أنا… من غير ما يحاول يكسّرني.
وفي لحظة هدوء، قدام الغروب، قلت لنفسي: أنا نجيت.
قومت.
واستحقيت حياة أحسن.