والد صاحب المعرض

لمحة نيوز

ساد الصمت على الطرف الآخر من الخط، لكن دون سيفيرينو كان يعرف هذا الصمت. عرفه قديمًا… الصمت الذي يسبق العاصفة.
— أبي… هل أنت في البيت؟ —سأل إميليانو أخيرًا، وصوته لم يعد صوت الرجل الهادئ الذي تعرفه الصحف.
— نعم يا بني.
— لا تخرج. لا تتحرّك. أنا قادم الآن.
لم ينتظر ردًا. أغلق الخط.
بعد أقل من ساعة، توقفت سيارة سوداء فارهة أمام صالة العرض نفسها. نزل منها إميليانو رويدا، ببدلته الرمادية الشهيرة، محاطًا بمساعدَين. ما إن رآه الموظفون حتى دبّ الارتباك في المكان. باتريسيا انتفضت من مقعدها، وغوستافو أسرع يعدّل ربطة عنقه.
— سيّد رويدا! لم نكن نعلم بزيارتك! —قال غوستافو بابتسامةٍ مصطنعة.
لم يردّ عليه.
سار إميليانو ببطء في الصالة، نظر إلى السيارات… ثم إلى الأرضية اللامعة… ثم رفع عينيه وقال بصوتٍ هادئ لكنه حاد كالسيف:
— أين الرجل الذي طُرد من هنا صباح اليوم؟
تبادلت النظرات. حاول غوستافو الضحك:
— سيّدي، كان مجرد متسوّل… أزعج الزبائن—
لم يُكمل جملته.
صڤعة واحدة.
لكنها هذه المرة لم تكن على شيخٍ أعزل… بل على مديرٍ ظنّ نفسه أكبر من اسمه.
ارتطم غوستافو بالأرض وسط ذهول الجميع.
— هذا “المتسوّل” —قال إميليانو، وصوته يرتعش— هو أبي.
ساد صمتٌ ثقيل، كأن الهواء انقطع. باتريسيا وضعت يدها على فمها. أحد الزبائن شهق. الحارسان تجمّدا في مكانهما.
— الرجل الذي صڤعته —تابع إميليانو— هو الذي باع خاتم زواجه ليبدأ هذا المعرض.
هو الذي نام على أرض الورشة عشان أتعلم.
هو الذي بنى “رويدا موتورز”… وأنتم فقط تعملون فيها.
حاول غوستافو النهوض:
— سيّد رويدا، أنا… لم أكن أعلم—
— الجهل ليس عذرًا للقسۏة —قاطعه إميليانو ببرود— أنت مطرود. الآن.
وأنتِ —نظر إلى باتريسيا— اخلعي البطاقة. لا أريدك دقيقة إضافية هنا.
ثم الټفت للحارسين:
— وأنتم… من ېلمس إنسانًا بلا سبب، لا مكان له في شركتي.
في اليوم التالي، نشرت الصحف الخبر، لكن ليس كما توقّعه أحد.
لم يكن عنوانه ڤضيحة… بل درسًا.
“مالك رويدا موتورز يشتري سيارة لوالده… ويغيّر سياسة الشركة بالكامل.”
عاد دون سيفيرينو إلى الصالة بعد أيام، لكن هذه المرة لم يكن وحده.
دخل متكئًا على ذراع ابنه. لم يكن يرتدي بدلة، ولا صندلًا جديدًا… دخل كما هو.
وقف أمام سيارة سوداء أنيقة.
— هذه جميلة —قال بهدوء.
ابتسم إميليانو:
— هي لك يا أبي.
هزّ رأسه ببطء:
— لا… اشتريها بمالك.
أنا أريد فقط أن أجلس فيها… وأعرف أن تعبي لم يضع هدرًا.
جلس دون سيفيرينو خلف المقود، أغلق الباب، وأغمض عينيه.
تنفّس بعمق.
لأول مرة في حياته…
لم يشعر أنه فقير.
ولا غني.
شعر فقط… أنه محترَم.
النهاية.

تم نسخ الرابط