بين الخوف والامان سما سماح
رامي كان راجل أعمال أرمل، عايش لوحده في قصر كبير في قلب القاهرة.
فلوس، نجاح، اسم تقيل… بس الفراغ كان مالي المكان أكتر من أي حاجة.
من فترة، بقى ملاحظ حاجة غريبة في تصرفات سلمى، الخادمة الهادية البسيطة.
كل يوم تخرج بدري جدًا، ترجع متأخرة، ملامحها مرهقة، وعينيها دايمًا مليانة خوف… كأنها شايلة همّ أكبر من سنها.
النهارده، الفضول غلبه.
قال لنفسه:
«مش هينفع أكمّل كده… لازم أعرف.»
قرر يتبعها من غير ما تحس.
شافها ماشية في شوارع حي شعبي، لابسة جاكتها القديم، ماسكة شنطتها الصغيرة بإيد مرتعشة. كانت واقفة عند زاوية ضيقة بين عمارتين، بتحاول تاخد نفسها… وكأن صدرها مخنوق.
وقتها هي شافته.
اتجمدت مكانها، وصوتها طلع مكسور: — أستاذ رامي! أنا… أنا ماكنتش أعرف إنك هنا…
رامي قرب بهدوء، ملامحه ما فيهاش غضب، بس عينيه كانت مليانة أسئلة: — كل يوم نفس الخروج، نفس التعب… وأنا مش صغير عشان ما أخدش بالي. إنتي رايحة فين يا سلمى؟
حاولت تبتسم، بس إيدها كانت بترتعش: — حاجات شخصية يا أستاذ… لازم أخلصها.
رامي سكت لحظة، وبعدين قال بصوت واطي تقيل: — مش لازم تكدبي… أنا شوفت الحقيقة.
وساب عينه تنزل على بطنها.
— إنتي حامل، صح؟
الدموع نزلت منها من غير ما تحس.
سنين خوف، تعب، وحدة… كلها انفجرت في لحظة.
قالت بصوت مخنوق: — أنا لوحدي… الأب مش موجود، والدنيا تقيلة عليّا. خايفة على الطفل… وخايفة أضيع.
رامي حس بحاجة اتحركت جواه… إحساس كان ناسيه من يوم ما مراته ماتت.
قرب منها خطوة، وحط إيده على كتفها بحنان: — مفيش حد بيواجه الدنيا لوحده… طول ما أنا موجود.
رفعت عينيها ليه، لأول مرة من شهور تحس بالأمان.
قال بهدوء حاسم: — من النهارده، إنتي والطفل مسؤوليتي. محدش هيقربلك، ولا كلمة هتتقال من غير علمي.
في اليوم اللي بعده، سلمى رجعت القصر…
ولأول مرة، ما حستش إنه مكان غريب.
دخلت أوضتها، لقت لبس صغير للطفل، شنطة تجهيز، ولعبة محطوطة بعناية. وعلى الترابيزة، كيكة صغيرة مكتوب عليها:
“بداية جديدة”
رامي وقف بعيد شوية وقال بابتسامة هادية: — مش كل القصص بتبدأ صح… بس في قصص بتتصلّح. ودي لسه أول صفحة.
لكن اللي ماكنوش يعرفوه…
إن في حد كان واقف بعيد اليوم اللي فات…
شاف، وسمع، وعرف سر ماكانش المفروض يطلع.
مرت أيام، وسلّمى بدأت تحس إن القصر مش بس مكان شغل… بقى ملجأ.
رامي ماكانش بيتكلم كتير، بس أفعاله كانت بتسبق كلامه. دكتور أحسن، متابعة، احترام… ولا مرة حسّسها إنها أقل أو عبء.
بس الهدوء ده ماطوّلش.
في ليلة، وهي راجعة أوضتها، سمعت صوت خبط خفيف على باب القصر.
الخادم فتح… ووشّه اتغير.
رامي خرج، ولما شاف الراجل اللي واقف، وشّه شد فجأة.
سلمى أول ما شافته… قلبها وقع.
— إنت…؟!
صوتها طلع مخنوق.
كان الأب.
واقف قدّامهم، بابتسامة باردة، وعينه رايحة جاية بين سلمى وبطنها.
قال باستخفاف: — واضح إنك عرفتي تعملي لنفسك حياة حلوة.
سلمى رجعت خطوة لورا، جسمها بيرتعش.
رامي وقف قدّامها على طول، من غير ما يرفع صوته: — إنت مين؟ وجاي ليه؟
الراجل ضحك: — جاي آخد حقي… ده ابني.
الهواء اتقل.
سلمى صرخت: — حقك؟! فين كنت لما كنت لوحدي؟ لما كنت خايفة؟ لما كنت نايمة على البلاط؟!
رامي لفّ وبصلها نظرة عمرها ما تنساها… نظرة أمان خالص.
وبعدين رجع يبص للراجل وقال بهدوء أخطر من العصبية: — امشي… قبل ما أطلع اللي مايعجبكش.
الراجل حاول يبتز: — ولا إيه؟ هتتجوزها؟ ولا هتربي ابن مش ابنك؟
رامي سكت ثانية…
وبعدين قال الجملة اللي قلبت كل حاجة:
— أيوه… هتجوزها.
سلمى شهقت.
عيونها اتوسعت، ومش قادرة تنطق.
رامي كمّل، وهو ثابت: — وهربي الطفل ده باسمي… لأن الرجولة مش في الدم، الرجولة في الفعل.
الراجل حاول يتكلم، لكن نظرة رامي كانت كفاية تخليه يلف ويمشي من غير كلمة.
بعدها بساعات، سلمى كانت قاعدة في أوضتها، دموعها نازلة في صمت.
رامي خبط بهدوء.
— أنا ماقلتش كده عشان أخلص موقف…
قرب وقعد قدّامها.
— قلت كده لأني حاسس إن ربنا رجّعلي قلبي من جديد… ويمكن بعتهولك إنتي.
سلمى رفعت عينيها، صوتها مكسور: — بس أنا خدامة… وأنت—
قطع كلامها بابتسامة: — إنتي أم… وأقوى ست قابلتها.
بعد شهور…
القصر اتغيّر.
ضحكة طفل مالية المكان.
سلمى بقت زوجة، مش خادمة.
ورامي؟
رجع إنسان قبل ما يكون رجل أعمال.
وفي ليلة هادية، وهو شايل الطفل، قال لها: — عارفة؟ الطفل ده أنقذنا إحنا الاتنين.
سلمى ابتسمت، وحطت إيدها على قلبها: — وأنت أثبتلي إن في رجالة بتيجي متأخر… بس بتيجي صح.
الكاميرا تبعد عن القصر…
صوت ضحك طفل،
وبيت اتبنى على الرحمة مش الخوف.
النهاية